ابن عطاء الله السكندري
6
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
واعلم أنك لو كنت مخصصا عند الملك مقربا منه وجاء من يطلبك بدين ضيق عليك ولو كان قدرا يسيرا فكيف بك إذا جئت يوم القيامة ومائة ألف إنسان أو أكثر يطلبونك بديون مختلفة من أخذ مال وقذف عرض وغير ذلك فيكف يكون حالك . المصاب حقا من محقته الذنوب والشهوات حتى جعلته كالشن البالي هذا هو المنكوب المعزى ذهبت مآكله وشهواته ملأ بها المرحاض وأرضى بها زوجته ويا ليتها كانت من حلال . فأول المقامات التوبة ولا يقبل ما بعدها إلا بها مثال العبد إذا فعل المعصية كالقدر الجديد يوقد تحتها النار ساعة فتسود فإن بادرت إلى غسلها اغتسلت من ذلك السواد وإن تركتها وطبخت فيها مرة بعد مرة ثبت السواد فيها حتى تكسر ولا يفيد غسلها شيئا ، فالتوبة هي التي تغسل سواد القلب فتبرز الأعمال وعليها رائحة القبول فاطلب من اللّه تعالى التوبة دائما فإن ظفرت بها فقد طاب وقتك لأنها موهبة من اللّه يضعها حيث شاء من عباده وقد يظفر بها العبد المشقق الأكعاب دون سيده وقد تظفر بها المرأة دون زوجها والشاب دون الشيخ فإن ظفرت بها فقد أحبك اللّه لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) [ البقرة : 222 ] ، وإنما يغتبط بالشيء من يعرف قدره ، ولو بذرت الياقوت بين الدواب لكان الشعير أحب إليهم فانظر من أي الفريقين أنت إن تبت فأنت من المحبوبين وإن لم تتب فأنت من الظالمين قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 11 ) [ الحجرات : 11 ] ، من تاب ظفر ومن لم يتب خسر ولا تقطع يأسك وتقول كم أتوب وأنقض فالمريض يرجو الحياة ما دامت فيه الروح ، إذا تاب العبد فرحت به داره من الجنة وتفرح به السماء والأرض والرسول صلى الله عليه وسلم ، فالحق سبحانه لم يرض أن تكون محبا بل محبوبا وأن المحبوب من المحب ، أف لعبد يعلم إحسان المحسن فيجترئ على معصيته ولكن ما عرف إحسانه من آثر عصيانه وما عرف قدره من لم يراقبه وما ربح من اشتغل بغيره فعلم أن النفس تدعوه إلى الهلكة فتبعها وعلم أن القلب يدعوه إلى الرشد فعصاه وعلم قدر المعصى فواجهه بالمعصية ولو علم اتصافه بعظمته لما قابله بوجود معصيته وعلم قرب مولاه وأنه يراه فسارع لما عنه نهاه وعلم أثر الذنب المرتب عليه دنيا وآخرة وغيبا وشهادة فما استحيا من ربه ولو علم أنه في قبضته لما قابله بمخالفته . واعلم أن المعصية تتضمن نقض العهد